الجمعة، 15 أبريل 2011

التجربة اللبنانية 2: الإبداع السياسي

 
 يعتبر لبنان تجربة فريدة في مختلف الصعد، نضيء اليوم على نجاحاته المهولة على صعيد السياسات الداخلية والخارجية، عسى أن نوفق في ذلك.
عماد حجاج

فعلى الصعيد السياسي، نجح لبنان في بناء منظومة سياسية داخلية وخارجية مدهشة، تتلخص في أن لكل سياسي ورث الكرسي أباً عن جد أب روحي خارجي، وهذه الطريقة فريدة ولا يوجد مثلها في العالم، وتحمي لبنان من مغبة أن يكون لهم حكّام أسياد على قرارهم، فيقومون بمشاريع قد تضره أو قد تجعل بعضهم يظنون أن تنمية القطاعات الإقتصادية بشكلٍ متوازن أمر صحي للإقتصاد (في وقت أني أثبتت ضررها الفادح كما لاحظنا أمس) وبهذه الطريقة لا يستطيع الشعب أن يسائل هؤلاء عن سياساتهم، ولا حق لهم بذلك أساساً لأنهم ليسوا مصدراً لسلطتهم، وبالتالي لا نعيش حالة من الصراعات بين الشعب والحكام (وقد شاهدنا الأحداث المؤسفة في مصر وتونس وليبيا حين حاول الشعب إزالة الحكام الجائرين) ولهذا فهؤلاء الحكام ليسوا مسؤولين أمام الشعب، بل أمام من عيّنهم، ولا خوف من أن يقوموا بسياسات خاطئة قد تضر بمصالح هذا البلد الوديع (كأن يقوموا لا سمح الله بتسليح الجيش بطائرات ميغ خلافاً لرغبة الأميركيين).

الطريقة الوحيدة للحياة في لبنان - Parish Nath

وهناك شعار آخر للسياسة في لبنان، وهو "قرار اللاقرار" وهي سياسة ذكية ومبدعة وننصح بها جميع الدول، تتلخص في عدم وجود مركز قرار في الدولة، وليس هناك من يحدد أي شيء، ليس هناك دولة تتخذ قرارات أو تزيل مخالفات أو تحاسب على إثراء غير مشروع (أو على هذا الموضوع) فمثلاً يحق لكل زعيم طائفة أن يلتقي بالجهة الدولية التي يريد، وعلى هذه القاعدة هناك للبنان سياسة علاقات خارجية نشطة وفاعلة بكل الأطراف، فلبنان لا يعادي أحداً، وهو بلد محب للسلم والأمن الدولي والعالمي، وهو يمتلك سياسة مرنة وفعالة تجنبه الحصارات الإقتصادية (كما حصل لإيران وسوريا وكوريا الجنوبية وفنزويلا وغيرها من الدول التي عصت وستعطيها الدول الكبرة الدي الدي المناسبة في الوقت المناسب) وبالتالي نستطيع أن نعتبر أن هذه السياسة ناجحة ويجب أن تلهم العديد من الدول الأخرى لاتباعها.

وكدليل واقع على هذه الحقائق التي أطرحها، يستطيع نصف لبنان (على سبيل المثال) أن يستقبل الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بنثر الورود والأرز، في وقت يزم النصف الباقي شفته برماً بهذه الزيارة، ولكن رغم ذلك يعتبر لبنان الرسمي هذه الزيارة تاريخية وأن إيران صديقة للبنان، وفي نفس الوقت يقوم العديد من المسؤولين اللبنانيين بزيارات دورية لمركز الإستخبارات، أقصد مركز السفارة الأميركية في عوكر، ويقومون بالجق على النصف الآخر، وفوق ذلك لا يعتبر فعلهم بمثابة "دس الدسائس" لدى دولة أجنبية، وتعتبر الدولة الرسمية ممارستهم بأنها علاقات دبلوماسية مع دولة صديقة، أساساً الدولة بسياساتها الذكية هي من أرسلتهم لتحمي النصف المجقوق عليه، وبالتالي ففعلهم وطني ويجب أن يكافؤا عليه.

أما قمة الإبداع فتتجلى عندما تولى مجموعة من ضباط الأمن المحترفين تنسيق العلاقات المتوترة (خلال حرب تموز) مع العدو الإسرائيلي، حيث افتتحوا ثكناتهم "مقاهي مضيافة" وذلك بهدف تهدئة أعصاب العدو الإسرائيلي، في مسعى للتخفيف من القصف الإسرائيلي لقرى المدنيين وبهدف (حماية المقاومة).

وتسهم السياسات اللبنانية في الشؤون الداخلية في منع أي مطالبة من الحاقدين وغيرهم ممن يدعون إلى زوال النظم الجائرة والقائلين بالصراع طبقي، فلا وجود للعمال ليعترضوا أساساً، ولا وجود للفقراء بسبب التحويلات من الخارج (والتي يتولاها بالمناسبة لبنانيون محبّون للحياة ذهبوا إلى أقطار الأرض لتعميم هذه التجربة الرائعة والفريدة). وبالتالي فالحراك السياسي خارج الطوائف شبه معدوم (وهذا المطلوب للحفاظ على استقرار المنطقة الجغرافية)، والمطالب الإقتصادية داخلها ليست فاعلة بشكلٍ كبير بسبب المساعدات والمعونات التي يغدقها أصحاب القلوب الحنونة من مالكي البنوك (ملوك الطوائف) ومالكي الفنادق والمنتجات (أنفسهم في الغالب) على الفقراء، حيث نشاهد معونات تبدأ بصناديق الإعاشة الطائفية مروراً بغالونات الزيت، ولا تنتهي بما يسميه بعض المغرضين (رشى إنتخابية) وهي في الحقيقة مساعدات عينية يقدمها هؤلاء شعوراً منهم بالمسؤولية ونتيجة تضامنهم مع الفقراء.


غداً نتحدث عن النجاحات التي سجّلت في الملف الأمني.
taylor jones




patrick chappatte

 
موظف حكومي برتبة عميل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق