الخميس، 15 سبتمبر 2011

كاريزما الموتى



"زي ما هيي" مشيراً بإصبعيه الإبهم والسبابة إلى الأسفل، الحركة الأشهر التي لا تفارق ذاكرتي، في انتخابات العام 1996 عندما (سحق) المعارضة بـ 100 دولار علنية، حينها وقف حزب الله وحلفاؤه يتفرجون من بعيد ويقولون بخبث "هذا شأن سني لا علاقة لنا به"
فجأة تحول الثري الآتي من السعودية إلى (زعيم) للسنة، أيديولوجيته تقول: أنا كفيل بإعطائكم المال أيها السنة (100 دولار نهار الإنتخابات كل 4 سنوات!!)، السنة كانوا يعلمون بدورهم أنه لا يمتلك الكاريزما الكافية ولا يجيد فن الخطابة، حتى أن عدد من التابعين له كانوا لا يخفون حسدهم للشيعة (على سيدهم ورجولته الكاريزمية، ونبيههم وكاريزميته الساخرة) لكنهم في قرارة أنفسهم كانوا (كل بمفرده) يحلم بأن يجني ثروة من التعلق بذيل سترة هذا الرجل الفاحشة، وبالنتيجة حكم هذا الرجل، وأبّد حكمه برائحة الدولار الذكية كما لم يفعل ديكتاتور من قبل.
عندما كان يقف رفيق الحريري على المنبر كانت رائحة الدولارات تسطل الحضور، كلٌ يصفق على وعد أن يحمل معه إلى منزله الفقير كرتونة الإعاشة، هكذا كان يخوض هذا الرجل المعارك الكبرى والصغرى، فقراء يهتفون بحياته في المهرجانات، ويذهبون إلى منزلهم ليكتشفوا أنهم 6 أشخاص يعيشون بأقل من 40 متراً مربعاً حصلوا على ربطة خبز وبعض المعلبات، لكن لا بأس، فالآخر (سليم الحص) كما روّجت ماكينة الحريري الإعلامية آنذاك "ني وميّت" ولو كان "نضيف" بدنا واحد "سني" ولو ما  كان نضيف، بدنا شخص يدافع عن السنة ولو كان "حرامي متلو متل غيرو"... لا هذا ولا ذاك، كان دعمهم للحريري لأن الآخر لا يقدِّم ربطة خبز و100 دولار في الإنتخابات لا أكثر ولا أقل.
وعندما انفجر الحريري إكتشفنا من يافطات علقت وأزيلت خلال أيام أنه (خاتم الأنبياء) ولو كان يعلم معدّو هذه الحملة (التي قرّعوا بسببها) مدى (قدسية) هذه الكلمة عند المسلمين، لتواضعوا وقالوا أنه من الصحابي لا أكثر، وفجأة اكتشفنا أنه (يعلِّم الفقراء) مع أن هذا واجب الدولة، أي وظيفته طيلة 13 عاماً تقريباً عبر القنوات الشرعية للدولة، ولكن معدي التقرير الأذكياء نسوا ذكر هذا، بل أكثر، نسوا أن يشيروا (ولو حتى مجرّد إشارة) إلى أن من يعلمهم الحريري بالمجّان، يعملون في مؤسساته بالمجّان أيضاً.


وفجأة أصبح الحريري محرراً من نوعٍ آخر: شخص (قذف مرافقه صعوداً) وكان (يناضل) في رئاسته للوزراء كل تلك السنوات (ضد الوجود السوري) لا بل أكثر من ذلك، كان في غرف قصره يستضيف الثوار، ولم يكن راضياً عن ضرب (الشباب الجامعيين) الذين كانوا يتظاهرون مطالبين بخروج السوريين ويخوّنون على شاشات التلفاز الخاصة به، بالمعنى الأدق، رسمت صورة لرفيق الحريري بعد أن مات، أنحف من تمثاله (المنحّف) مكان اغتياله، ولو استطاع المستثمر هذا أن ينهض ولو لثانية من موته لقال: أنا لا أعرف هذا الرجل الذي تتحدثون عنه!.
عندما صعد حسن نصر الله في النبطية إلى المنبر، قال أمام مئات الآلاف المحتشدين أمامه أن رفيق الحريري صديقه، وأنهما كانا يلتقيان إسبوعياً، وحاول نصر الله عبر هذا الإيحاء أن يستفيد من الكاريزما التي صبغها الفريق الآخر على الحريري، وإعادة صورته إلى حظيرة التفاهم (السني - الشيعي) الذي سهر الحريري على رعايته خدمة لمشاريعه الإقتصادية في لبنان، ولم يتوانى الشارع الداعم لنصر الله بأغلبيته الشيعية من التعلق بهذه العبارة كمن يتعلق بحبال الهواء، في وقت شكك العديد من المراقبين الحذقين بصدقية هذه العبارة، متسائلين ما الذي سيجمع مستثمر سعودي مع مقاتل جنوبي!.
هكذا إذاً، لم يتسن لرفيق الحريري أن يشارك في الثورة الكوبية، ولم يحالفه الحظ بالسفر إلى بوليفيا للقتال إلى جانب غيفارا خلال حياته، لكنه رغم ذلك حصل على اسطورة بعد موته، ليست بعظمة الخاصة بغيفارا، لكنها تكفي لبلدٍ يبلغ عدد سكانه 6 ملايين نسمة.


بشير الجميّل، أب مجرزة صبرا وشاتيلا وغيرها وقبلها الكثير الكثير من الجرائم، الخائن الذي تحالف مع الإسرائيليين ووفر لهم الموانئ للدخول إلى جونية وتسليح ميليشياته، ومهد دخول الإسرائيليين إلى بيروت، الرجل الذي لم يخرج من كنف إقطاعية والده إلا ليحاول أن يؤسس لديكتاتورية مسيحية في الشرق، قدّس له أمس كبطلٍ ومحرر لبناني.

 إنها لعنة الموت، التي تهب الخونى أوسمة البطولة، وتجعل من مجرّد مستثمر آخر ثائراً على طاغوت صنعه ملئ يديه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق