الصفحات

الخميس، 14 أبريل 2011

التجربة "اللبنانية 1

الدين. LUOJIE,CHINA
أقدِّم فيما يلي مقاربة جدية وحقيقية للتجربة اللبنانية الناجحة، واستفادته من الطائفية وقدرته على بناء منظومة رائعة قادرة على قيادة البلاد إلى بر الأمن والأمان، على أن أقسِّم الموضوع إلى ثلاث دفعات (الإنجازات الإقتصادية اليوم، وغداً وبعد غدٍ السياسية ثم الأمنية).

فالكثير من الحاقدين يتحدثون عن أرقام وإحصاءات قامت بها جهات غربية أو مدسوسة، أو مراكز دراسات همّها الشاغل أن تجرِّح بالتجربة اللبنانية الناجحة والفعالة على مختلف الصعد (إقتصادياً، سياسياً، أمنياً) مع العلم أن هذه الأطراف تهمل حقائق مهمة وأساسية لتبرير هجومها غير المبرر على منجزات هذه الدولة، وتجربتها الفريدة التي أثبتت أنه من الممكن إدارة رقعة جغرافية عبر جماعات تستفيد من الفساد، وتقوم بتنمية غير متوازنة للقطاعات الإقتصادية بطريقة ملفتة ورائعة.

فعلى الصعيد الإقتصادي، أثبتت التجربة الإقتصادية اللبنانية نجاحها المطلق، وعلى  الرغم من ادعاء البعض وجود مؤشرات إقتصادية سيئة إلا أنهم يغفلون (هؤلاء الحاقدين) أن إقتصاد لبنان معافى (نعم معافى)، فسياسة انعدام التوازن القطاعي والتنمية المناطقية أثبتت جدواها في قيادة الإقتصاد لتحقيق معدّلات مهولة من النمو (7 في المئة تقريباً وهي توازي بذلك سرعة نمو اقتصاد النمور الأسيوية!)، فعلى سبيل المثال نجحت التجربة اللبنانية عبر تسليم عنق الإقتصاد اللبناني إلى القطاع المصرفي، وهو قطاع يمتلكه مجموعة محترفة من الإقتصاديين العباقرة، والذين استطاعوا بسبب توليهم مناصب سياسية أن يجيّروا أداء الدولة لصالح هذه المصارف في سياق سياسة حكيمة ومتزنة وليست مستندة إلى مصالحهم أو جشعهم الخاص، فأصبحت الإستدانة ركيزة أساسية في سياسة الدولة التي لا تمتلك قطاعاً إقتصادياً حقيقياً، ولكي تقوم بدفع فوائد وفوائد فوائد هذه القروض (التي أهدرت بنجاح في مزاريب الصناديق لإعدام أي إمكانية نمو للقطاعات المضرة بالإقتصاد كما سنوضح لاحقاً) قامت برفع الضرائب (غير المتوازنة والتي تطال الشريحة الأوسع من الناس) وبالتالي أصبح اللبنانيون يقومون بسد هذه الديون للبنوك، وبالتالي يزيدون من ثروات القليل من رجال الأعمال والفاسدين الذين يقودون البلاد بطريقة مذهلة.

لكن من يقول أن هذه السياسة مضرة، أو تعمّق الفروق الطبقية فهو مخطئ، أساساً امتلك لبنان نتيجة هذه السياسة الذكية والخطة المدروسة قطاعاً مصرفياً قوياً ومنيعاً وقادراً على تقرير السياسات الإقتصادية، واستطاع تأمين قروض استهلاكية بفوائد مرتفعة للبشر الموجودين على هذه الرقعة الجغرافية، وبالتالي تزداد هذه المصارف قوة، وتزداد أموالها تكدساً، وكما هو معروف (إذا كانت المصارف بخير، فلبنان بخير).

ثم وكمكمِّل لهذه السياسة التنموية، لجأت الدولة إلى (لن نقول ضرب لأن هذا المصطلح مبالغ به) قامت بالتقليل من الحجم الإقتصادي للصناعة والزراعة إلى أقصى حد ممكن، فلبنان يجب أن يكون واجهة حضارية للمنطقة، والصناعة دليل أن لبنان ليس بلداً سياحياً وقد يعاني من مشاكل طبقية نتيجة وجود طبقة عاملة فيه، فقامت خلال السنوات العشرون الماضية بالقضاء على الصناعات الموجودة (بمختلف الوسائل الممكنة) لأن العمال يسببون المشاكل، ولديهم مطالب كثيرة، وهذه المطالب ستصبح تظاهرات واعتصامات وإضرابات، وهذا سيضر بالوجه الحضاري والسياحي للبنان.


أما الزراعة، لماذا يزرع لبنان وهو يستطيع أن يستورد حاجته من الدول الأخرى؟ ما الداعي للقيام بسياسات تنموية على هذا الصعيد؟ خصوصاً أن الزراعة لا تحمل قيمة مضافة كبيرة، وبالتالي ففساد المحصول يمكن أن يؤدي إلى مشاكل إقتصادية وأزمات وخسائر خطيرة، وسيؤدي إلى حصول اعتراضات وتحركات وتحميل مسؤوليات، وهذا سيضر من جهة بالوجه الحضاري والسياحي للبنان، وسيفقر مجموعة واسعة من البشر الذين كانوا قد حصلوا سابقاً على معدلات دخل مقبولة، ولبنان بغنى عن ذلك، لذلك لا ضرورة لوجود قطاع يحمل في طيّاته خطورة على نفسه، وعلى العاملين فيه وعلى القطاع السياحي المزدهر والذي يؤمن دخلاً (ليس لآلاف الفقراء الذين يعملون مقابل 500 دولار في خدمة كبار الأثرياء ومالكي الفنادق  فقط) بل لمجموعة من أصحاب المصالح والسياسيين الطيبين الذين إذا ارتفعت أرباحهم زاد شعورهم الوطني، وكما نعرف جميعاً القاعدة الإقتصادية تقول (إذا كانت السياحة بخير، فالجميع بخير).

يتحدث البعض عن التنمية المتوازنة، أساساً لبنان لا يحتاج إلى تكاليف مهولة وليست ضرورية لربط لبنان بشبكة نقل أو ري أو كهرباء متطورة، أو للقيام بمشاريع في القرى التي لا يقطنها إلا بضع مئات، أساساً رقعة لبنان الجغرافية صغيرة، ويستطيع هؤلاء الإنتقال إلى جنب المدن التي تتوافر فيها الخدمات والأعمال، ليتركوا قراهم وأراضيهم التي ستتحول ضمن سياسة ذكية ومحكمة إلى مصايف للسياح الخليجيين الذين سيدفعون أموالهم في لبنان.

يعرف المطلعين على الإقتصاد السياسي مصطلح (اليد الخفية) في النظام الرأسمالي، لبنان لا يحتاج إلى هذه اليد، لديه يده الخاصة ونستطيع أن نصطلح على تسميتها (يد الشحادة) وهي أهم من اليد الخفية، فهذه اليد تؤمن تحويلات مالية مهولة من الخارج إلى لبنان، وهذه التحويلات تدعم الإقتصاد بشكلٍ دائم وترفده بقدرات كبيرة، يستطيع من خلالها سداد قروضه المتراكمة للبنوك ما يساهم في زيادة أرباحهم. وتستطيع المزاريب في الدولة الإستفادة منها أيضاً.... ويؤمن المواطن العادي والفقير قوت يومه، واللذيذ في هذا النظام أن اللبناني لا يشعر بأنه قد أمّن اكتفاء إقتصادياً، وبالتالي يعيش بشكلٍ دائم بحالة من القلق تجبره على الطلب من أقربائه المهاجرين (أولاده أخوته..) أن يرسلوا له الأموال، وبهذه الطريقة يصبح القلق مفيداً له ومفيداً للإقتصاد.



هذه صورة عن النموذج الإقتصادي اللبناني (القدوة) وغداً نتحدث عن مثيله السياسي وبعد غدٍ عن الأمني، عسى أن أكون قد وفقت بالإضاءة على حسنات نظامنا الإقتصادي الذي تنخفض فيها معدلات الفقر عن مثيلاتها في مصر والسودان والصومال وغيرها من الدول المحيطة بنا والتي تشكو من أوضاع إقتصادية أصعب بكثير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق